القاسم بن إبراهيم الرسي

308

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

ولا جوادا حتى يفيد إذا ازلأمّ الأزب . « 1 » وإنما يوصف بالنجدة ، من باشر أهل البأس والشدة . وللمحاسن والمحامد بوآد معتمدة ، تطلّع « 2 » إليها الأفئدة ، ثم يبذل فيها الغالي من الأثمان ، وتنضا بها العيس إلى « 3 » جميع البلدان ، فمن سرّه أن يشهر بالجميل والاحسان ، فليشهد التي منها يتناقلان ، ثم ليظهر منهما ما يسير به في الآفاق خبره ، ويعظم به في الناس خطره ، ثم ليقوّم من نفسه بحسن التعاهد أودها ، « 4 » وليأخذ منها لها ما يزين به غدها ، فإن الأخلاق إذا سمحت ، « 5 » والعلانية والسريرة إذا صحّت ، كانت غنائم يرتحل إليها المرتحلون ، وأحاديث حسنة ينقلها الناقلون ، وتبجيلا لصاحبها في العالمين ، وغبطة يغتبط بها يوم الدين . [ الخلق والمال ] والواجب في الأخلاق أكثر من الواجب في الأموال ، وأفضل في جميع الأحوال ، وإنما يعظّم ذو المال ما كان موئلا ، فإذا تخرّم ماله عاد دحيرا قليلا ! ! والأخلاق لا يبلى جديدها ، ولا يطيش سديدها ، وفضل صاحبها باق في حياته ، وبعد وفاته ، والمال ثوب تخلق جدته ، وتسمل سداه ولحمته « 6 » . وأحق الأشياء بالصون العرض الصحيح ، والحسب الصريح ، ومن آتاه اللّه قلبا ذكيا ، وزنادا « 7 » وريّا ، وخلقا مرضيا ، وسخاء مذكورا وعقلا زكيا ، وفهما مرضيا ، وعلما بتقلب الأحوال ، وتصرف الأيام والليال ، ولسانا يؤدي إليه معرفة خلف « 8 »

--> ( 1 ) ازلأمّ : انتصب . والأزب : الشدة والقحط . والمعنى : لا يسمى جوادا حتى يعطي عند الشدة . ( 2 ) أي : تتطلع . وحذفت التاء الأولى للتخفيف . ( 3 ) تنضا : تسبق وتقطع . والعيس : الإبل . وفي ( ب ) : في جميع . ( 4 ) الأود : العوج . ( 5 ) سمحت : كرمت . ( 6 ) تخلق : تبلى . والجدة : مصدر الجديد . وتسمل : تخلق وتبلى . والسدى أعلى الثوب ، واللحمة : أسفله . ( 7 ) الزناد الوري : الذي خرجت ناره ، وكأنه تعبير عن سرعة الفهم . ( 8 ) الخلف : كل من يجيء بعد من مضى .